الاثنين، 25 أكتوبر 2010

فراغ

ملاحظته لم تكن صعبة، " شوفته بعيني محدش قالي "، فطوله الفارع مكن جميع ركاب عربة المترو الشبه ممتـلئة من رؤية يديه و هي تتحرك صعوداً و نزولاً متحسسة جسده، لأول وهلة سوف تعتقد أنه غريب الأطوار، لكنك لو إقتربت منه كما فعلت أنا سوف تعلم أنه يتحسس جيوبه الأمامية و الخلفية في تلك البدلة الصيفية التي يرتديها، لا لشئ، بل لأنه فقط يخشى من النشالين الذين يأخذون من وسائل المواصلات مقراً لهم، ليقتاتوا ما في الجيوب ليقتلوا ما في العقول، لم يهتم كثيراً بنظرات باقي الركاب إليه، أو بنظراتهم إلى تلك البدلة التي عفى عليها الدهر بعدما كانت فيما مضى رمزاً و علامة لكنها إنقرضت مع ما إنقرض من ديناصورات الماضي السحيق.
وصل إلى مكتبه في موعده المحدد، فهذه هي إحدى مميزات ذلك الإختراع المسمى بالمترو، مهما كانت الظروف يوصلك في الموعد " إلا لو ولع أو حد سرق القضبان "، جلس على مكتبه المترامي الأطراف، الساعة الآن الثامنة صباحاً، و أمامه ست ساعات حتى موعد الإنصراف كما تعود دوماً، بدأ يومه بقراءة الصحف الموجودة على سطح مكتبه، و لأنه في وظيفة حكومية فهو لا يقرأ إلا الصحف القومية، الصحف الأخرى ممنوع دخولها، ينتهي من قراءة جميع الصحف بعد مرور ساعة على الأكثر، جميع الأخبار متشابهة و جميع العناوين مكررة و الأحداث الهامة حلت محلها إعلانات القرى السياحية و المنتجعات الخيالية، الساعة الآن التاسعة صباحاً و مازال أمامه خمس ساعات من اللاشئ، منذ أن عينه قريبه الذي يحتل منصب مهم في وزارة الداخلية في تلك الوظيفة منذ أكثر من خمسة أعوام و هو لا يعلم بالتحديد متطلبات الوظيفة، كل ما يعلمه أنهم أجلسوه في غرفة واسعة و مكتب فخم و سجادة باهظة الثمن ..... و بس، كل يوم يأتي في تمام الثامنة صباحاً و ينصرف في الثانية ظهراً، على باب مكتبه " يافطة " مكتوب عليها " نائب رئيس الشؤون التجارية " مع العلم أنه لا يوجد رئيس لقسم الشؤون التجارية لأنه لا يوجد قسم بهذا الإسم، بينه و بين باقي الموظفين يحاول رفض فكرة أن هذه الوظيفة قد أخترعت خصيصاً من أجله، لكنه بينه و بين نفسه يعلم أنها الحقيقة، فماذا يفعل خريج كلية الأداب قسم مكتبات في قسم الشؤون التجارية؟ ... هذا إن وجد.
الساعة الآن التاسعة و النصف صباحاً، أخرج من جيبه جميع النقود التي كانت معه، قرر ترتـيـبها من الأكبر إلى الأصغر عسى أن يضيع هذا مزيداً من الوقت، أثناء ترتيب النقود توقف عند ورقة من فئة العشرون جنيهاً مكتوب عليها " الكبير عاوز العملية كلها تخلص النهاردة "، لا يدري لماذا لفتت إنتباهه هذه العبارة، لماذا توقف عندها كثيراً، هل هو الفراغ الذي يعيش فيه أم خياله الواسع، لا يدري، أياً كان السبب لا يهم، المهم أن تمر الأربع ساعات و نصف القادمة، نظر إلى العبارة مرة أخرى و قرأها من جديد، " الكبير عاوز العملية كلها تخلص النهاردة "، رجع بظهره إلى الوراء و بدأت الأسئلة تشرق في عقله كشروق الشمس في الصباح، من هو الكبير؟ عن أي عملية يتحدثون؟ ما نوع العملية؟ متى كان موعد العملية؟
يصعد السلم بهدوء، يحاول ألا يصدر صوتاً يمكن أن يوقظ أحد، طوله الفارع و جسده المتناسق و حركته الخفيفة الرشيقة يدلان على أنه شخص رياضي، أو شخص مدرب على أعلى مستوى، توقف قليلاً ليتأكد من أن أحداً لا يصعد على السلم ورائه أو أن أحداً ينزل، الجو ملائم تماماً، أكمل صعوده حتى وصل للدور الرابع، توجه مباشرة للشقة رقم 16، هو يعلم وجهته، لقد درسها كثيراً من قبل، وقف إلى جوار الباب ملتصقاً بالجدار، العرق يتصبب منه كماء المطر في شهر أمشير، ببطء و عينه على أبواب باقي الشقق نقر بإصبعه نقرة خفيفة على الجزء الخشبي من الباب و إلتصق بالجدار من جديد و عينه على أسفل باب الشقة، رغم الظلام إلا أنه إستطاع رؤية الورقة التي تخرج من أسفل الباب، إنحنى ليلتقطها ليفاجأ أنها ورقة من فئة العشرون جنيهاً، فتحها بحيرة ليجد أنها مكتوب عليها عبارة " الكبير عاوز العملية كلها تخلص النهاردة "، عبارة غامضة لكنه يعرف معناها، فالكبير هو أ/ أشرف الكبير مدرس الرياضيات في ذلك الدرس الخصوصي الذي يكره الذهاب إليه، فهو كالعادة " زوغ " من الدرس ليلعب كرة القدم مع أصدقائه، كرة القدم التي يعشقها و يمارسها ليل نهار، ما ينقذه دائماً هي جارته رشا التي تسكن في الدور الرابع و التي تخبره بما حدث في الدروس و تخبره أيضاً بالواجبات المطلوبة منه، و لأنه لا يريد إثارة المشاكل أو شك والده في أمره فهو لا يتحدث مع جارته تلك التي يعشقها في الهاتف بل يتسلل فجراً إلى شقتها و تكون هي في إنتظاره ملتصقة بباب الشقة تمرر له ورقة مكتوب بها الواجبات التي من المفترض أن يأتي للحصة التالية و هو منهيها، في تلك الليلة لم تجد أي ورقة أمامها، و لأنها خائفة من أن ينكشف أمرها هي الأخرى فلم تجد أمامها خياراً من أن تكتب المطلوب على الباقي من مصروفها، على أمل أن يرد لها في موعد الدرس القادم.
إنكب مرة أخرى على ذلك المكتب المترامي الأطراف و نظر إلى الساعة " الشيك " المعلقة على الجدار المغطى بورق الحائط " الشيك برضه "، إنها الآن الحادية عشر صباحاً، باقي من الزمن ثلاث ساعات، فتح درج مكتبه و أخرج " ريموت "  التكييف " آه عنده تكييف " ليظبط درجة الحرارة، نظر إلى ورقة العشرون جنيهاً و إبتسم قليلاً، فلقد أعجبته القصة التي تخيلها عن ذلك الشاب " اللي بيزوغ " من الدروس، لا يدري كيف طرأت إلى ذهنه بهذا الترتيب أو التنسيق، أخرج من درج آخر لمكتبه مجموعة أوراق و قلم لم يستعمل من قبل، فلقد قرر تدوين هذه القصية عسى أن تكون بداية لسلسلة من القصص الخيالية التي قد تسلي فراغه و وحدته.



بقلم م / مصطفى الطبجي

الأربعاء، 20 أكتوبر 2010

يوم عادي غريب جداً

" تررررررررررررررررررررررررررررررررررررررن " كان هذا صوت تقليدي للمنبه التقليدي على ذلك الكومودينو التقليدي في تلك الغرفة التقليدية و الذي أيقظه في الساعة الخامسة و النصف فجراً، قام من فراشه ببطء متملكاً منه شعور كبير بالكسل و الإرهاق و عدم الرغبة في الإستيقاظ، إحتار في سبب هذا الشعور الذي يراود لأول مرة، فكر فيه لمدة ثانية واحدة، فلقد كان يعلم أن سبب هذا الشعور لم يكن لأنه قد عاد إلى منزله بعد منتصف الليل بعدما إضطرته الظروف إلى السهر في العمل " لتخليص الشغل المتأخر "، أو لأنه لم يستطع النوم جيداً لأن الشاب الذي يسكن بالشقة المقابلة قد حول شقته إلى ستوديو تحليلي لمباريات البلاي ستيشن، أغلب الظن أن سبب هذا الشعور هو أنه لم يعد لديه حماس كافي للعمل، لم يعد لديه حماس كافي للقيام بما تعود طوال عشرون عاماً أن يقوم به، ربما لأنه بعد تخرجه من كلية العلوم بتقدير مرتفع إعتقد بأن مكانه سيكون في المعمل وسط الأبحاث و التجارب و لكنه وجد نفسه في الأرشيف بين الملفات و الأتربة، لكن ما باليد حيلة فال " الإيد قصيرة و العين بصيرة " و طلبات الزوجة و الأولاد لا تنـتهي.

قام من مكانه مطأطأ الرأس " منعكش " الشعر يجر قدماه جراً مما جعلهما تصدران صوتاً عند إحتكاكهما بأرضية الغرفة الخشبية الخالية من السجاجيد يشبه صوت فحيح الأفاعي " اللي بتقول فوو فوو فوو "، طرق باب الحمام لا يدري لماذا يطرقه فهو يعلم أن الجميع نياماً و لكن يبدوا أنها العادة، لا يستطيع أن يبدأ يومه إلا بعد أن يأخذ حماماً بارداً، صيف أو شتاء لا يهم، " الدش " لا بد أن يكون بارداً، هو لا يتشائم أو يتفائل بهذا لكنها العادة أيضاً، فتح " الحنفية " و نظر إلى " الدش " في إنتظار نزول المياة، طال إنتظاره و وقوفه، لم تـنـزل المياة التي دائماً ما تذكره بمياة الأمطار التي كان يركض أسفلها و هو صغير، كل ما حصل عليه هو صوت زمجرة أو حشرجة و إرتجاج في المواسير و كأنها تريد أن تنفجر، أن تبوح بأسرارها، أن تظهر ما كانت تخفيه طوال عشرون عاماً قضتها في كنف هذا الرجل، نظر لها راجياً مترجياً متوسلاً أن تترك كل ما تعانيه و تشعر به الآن، إستحلفها بكل ما هو عزيز، بكل ما هو غالي، بكل ما هو نفيس أن تـتـنـازل عن مشاعرها و أحلامها فقط من أجله، من أجل بضع قطرات من المياة التي لا بد أن يبدأ بها يومه المشحون.

إرتفع صوت الزمجرة و كأنه يعلن عن العصيان، إزداد الإرتجاج و كأنه علامة عن مزيد من الغضب، ثم سكت كل شئ دفعة واحدة، و بدون مقدمات هدوء تام، أصبح لا صوت يعلو فوق صوت المياة المنهمرة و المعبرة عن رضوخ تام لطلباته التي لا تنتهي هي أيضاً، رضوخ تام يـصاحبه سحابة من الكبرياء و لمحة من الكرامة و العزة بالنفس، فالمياة لم تكن كما تعودها دائماً، بل كانت مليئة بأتربة جعلت لونها الشفاف يتحول إلى لون بني داكن يلاحظه جيداً على الرغم من ذلك الضوء الواهن الضعيف لتلك اللمبة المعلقة وحيدة في سقف ذلك الحمام الضيق، لون داكن جعله يتخيل نفسه يأخذ حماماً في الوحل.

خرج غاضباً، فهو لم يأخذ حمامه المعتاد، راوده شعور بأن اليوم لن يمر على خير ما يرام " الفار بيلعب في عبه و عينه الشمال بترف "، سرعان ما نفض هذا الشعور عن كتفيه، فهو لا يتشائم أو يتفائل بمثل هذه الأمور، وجهته كانت إلى " فرن العيش البلدي " الذي يبدأ عمله من بعد صلاة الفجر و حتى العاشرة صباحاً فقط، تعود كل يوم أن يقف في هذا الطابور الطويل للحصول على خمسة أرغفة لكي يفطر بها هو و زملاءه في العمل، خيل له أن الطابور أقصر من المعتاد، لا يهم، بدأ في إضاعة الوقت و ذلك بالتحدث مع الواقف أمامه أو الواقف خلفه، الحديث دائماً ما يكون عن أمور الحياة، فلقد تكونت بينهم علاقة صداقة طابورية، لا يهم عن ماذا يتكلمون أو في ماذا يفكرون، فهو لن يتذكر كلمة واحدة مما قالها هو أو قالها أحد الواقفين معه، و كذلك حال الجميع، كل ما في الأمر أنه يريدون تهوين طول الوقفة بالإنشغال عنها بالحديث، بينما هو يتحدث قـفز إلى ذهنه سؤال هام، هل يخبزون العيش بنفس تلك المياة المحملة بالأتربة التي رأها في حمام منزله المتواضع؟ قبل أن يجد إجابة شافية هاجمه سؤال آخر، هل سيكون هناك فرق ما إذا كانت المياة المستخدمة نظيفة أم لا؟ أم في كلا الحالتين سوف يشتري العيش؟ كانت الإجابة واضحة كنور الشمس في كبد السماء الصافية، العيش يحتوي على أتربة على مسامير على ذيل فأر لا يهم، المهم أن يجد ما يكمل به وجبة الإفطار.

الطابور يتحرك ببطء شديد، و كأنهم في إحدى إشارات المرور اللانهائية، ثم توقف الطابور فجأة و لمدة طويلة، أفاد أحد الظرفاء بعد طول توقف " أكيد في موكب وزاري معدي "، ضحك الجميع ضحكة يخفون بها ما يتملكهم من هموم ألقتها الدنيا عليهم و علقتها في أعناقهم، طال الإنتظار و بدأت عملية الململة، كان السؤال و كانت الإجابة المفحمة " مفيش دقيق "، يعلم الجميع أن صاحب الفرن يـبـيع الدقيق في السوق السوداء، و مع ذلك لم يبلغ عنه أحد لسبب بسيط، إذا قامت الحكومة بغلق الفرن و سحب الترخيص، من أين سيأتون برغيف العيش؟؟ " لسة الفار بيلعب في عبه و عينيه الإتنين بيـرفوا "، " اليوم باين من أوله " لكنه لا يتشائم أو يتفائل بمثل هذه الأمور.

أكمل سيره متجهاً إلى محطة الأتوبيسات، هو يعلم أنه محظوظ أنه دائماً ما يركب الأتوبيس من محطته الأولى و هو تقريباً فارغ لينزل منه في محطته النهائية، فهذا لن يعرضه للوقوف أو المزاحمة أو السرقة من هؤلاء النشالين المحترفين، هو في الأمان، بحث بنظره عن رقم 78 و كان هذا هو رقم الأتوبيس الذي يستقله كل يوم، طال بحثه و لم يعثر على شئ، أخرج منديلاً مسح به عدسات النظارة و بحث من جديد، " هو الأتوبيس إتسرق ولا إيه "، كان هذا ما يدور بذهنه وقتها لكن الكمسري و الذي أصبح يعرفان بعضهما جيداً أخبره أن اليوم عطلة رسمية و أغلب الخطوط تم إلغائها و تحويلها إلى المنتـزهات العامة، كيف نسي هذا؟، كيف نسي أن اليوم عطلة رسمية، هنا فقط تذكر أنه بالأمس تأخر الجميع في العمل لتعويض يوم العطلة الرسمية، هنا فقط تذكر أن ذلك الشاب أقام حفلة في شقته لأن اليوم عطلة رسمية، هنا فقط تنبه لماذا كان هذا الشعور بالكسل و كأن عقله الباطن يريد أن يخبره، هنا فقط تنبه إلى أن زوجته لم تستيقظ باكراً كعادتها، هنا فقط أدرك لماذا الطابور كان أقصر من المعتاد، هنا فقط أدرك أنه " ظبط " المنبه على الخامسة و النصف فجراً لأنها على ما يبدو العادة فقط، فلقد تعود على ذلك طوال عشرون عاماً.

" تررررررررررررررررررررررررررررررررررررررن " كان هذا صوت تقليدي للمنبه التقليدي على ذلك الكومودينو التقليدي في تلك الغرفة التقليدية و الذي أيقظه في الساعة الخامسة و النصف فجراً، قام من مكانه مطأطأ الرأس " منعكش " الشعر يجر قدماه جراً، طرق باب الحمام، فتح " الحنفية " و نظر إلى " الدش " في إنتظار نزول المياة، طال إنتظاره و وقوفه و لكن لم تـنـزل المياة، كل ما حصل عليه هو صوت زمجرة أو حشرجة و إرتجاج في المواسير، تذكر ما حد يوم أمس، إرتدى ملابسه و عاد إلى فراشه لينام من جديد، هو لا يتشائم أو يتفائل بمثل هذه الأمور و لكنها على ما يبدو العادة، فلقد تعود على ذلك منذ ليلة أمس.

بقلم م / مصطفى الطبجي

السبت، 16 أكتوبر 2010

كنت أعرفه صغيراً

كنت أعرفه صغيراً

أكتوبر 2010

مر من أمامي و أنا جالس مع أحد أصدقائي القليـليـن في أحد الحدائق العامة نـتـباحث في أمور الدنيا، بالرغم من أني أكبر منه عمراً إلا أن مظهره يوحي بأنه أكبر مني بعقود كثيرة، فظهره المحني و قدماه التي بالكاد تتحمله و العصى التي يتكأ عليها و يداه المرتعشتان توحيان بهذا، ملامح وجهه توحي بأنه كان وسيماً فيما مضى، وسامة لم تستطع تلك التجاعيد و الإصابات و الندبات التي تملأ وجهه أن تخفيها كلياً، و إن كانت قد طمست بريقها، لاحظت في مشيته البطيئة الرتيبة أن قدمه اليسرى توجد بها إصابة بالغة، فهي بالكاد تتلامس مع الأرض، يرتدي معطفاً بالي لا أدري لونه بالتحديد من كثرة ما به من رقع و بقع، هممت أن أقوم من مكاني لأذهب إليه، لكني تراجعت، فلا يوجد عندي ما يمكن قوله.

إبريل 2008

واقـفاً على الرصيف، محني الظهر، لا ينظر للأعلى و كأنه مكسور العين، معطفه البالي يوضح حالته الإقتصادية الهشة، و يأكد أنه تخطى خط الفقر بمراحل عديدة ليصبح على الهامش، كان يبدو عليه الشرود، فهو لم يلمح تلك السيارة القادمة بسرعة و هو يعبر الطريق ببطء و كانه لم يعد يبالي، في المستشفى أخبروه أن إصابته خطيرة، و لأن حالته الصحية خطيرة و حالته المادية فقيرة فكان العلاج هو نص جبـيـرة و ربنا الشافي العافي، لذلك لم تصبح قدمه اليسرى كما كانت قبل الحادث، فلقد أصبحت عظامها هشة كما انها أصبحت أقصر من القدم اليمنى، ما باليد حيلة، كل ما إستطاع الحصول عليه خلاف العلاج الخاطئ هو عصاة يتوكأ عليها، عسى أن تكون بديلاً لقدمه التي ضاعت نتيجة إهمال ... أو كسل ... أو بلادة .... أو لا مبالاة.

سيـبتمبر2001

يركض بسرعة كبيرة كأنه عداء متمرس أو مخترق ضواحي في أحد الدورات الأولمبية، إذا نظرت إليه و هو يفادي الناس يميناً و يساراً ستعلم أنها ليست المرة الأولى التي يركض بهذه الطريقة، كأنه يعرف مسبقاً أماكن تواجدهم، متوقعاً لتحركاتهم، قبل أن تحكم عليه و على سبب ركضه يجب أن تلاحظ أنه لا يركض وحيداً، هناك ثلاثة أشخاص يركضون معه، أو الأصح يركضون خلفه، من النظرة الأولى ستعرف أنهم من الفاسدين أخلاقياً، محنكين إجرامياً، متحجرين قلبياً، أسلحتهم البيضاء تلمع في نور الشمس، الجميع يتحاشاهم حتى رجال الأمن، لأنه في النهاية و بعد كل شئ فإن من يركضون ورائه ليس سوى صعلوكاً آخر لن يضر البشرية في شئ إن مات أو قتل أو جرح، أمسكوا به بعد فترة ركض طويلة، لهاثهم يتقاطع مع كلماتهم الغاضبة المهددة و المنددة، الحق أنه كان شجاعاً و لكن كما يقال الكثرة دائماً ما تغلب الشجاعة، تكالبوا عليه و أصابوه بعدة طعنات في بطنه، و جرح في جبينه، واضح من الإصابات أنهم لم يكن ينون قتله، هم فقط يريدون زيادة جراحه و كأنها عملية ممتعة بالنسبة لهم.

مايو 1992

يجلس في الشرفة الضيقة بشقته الصغيرة في تلك الحارة المجهولة الإسم، تلك الشقة التي إستطاع بالكاد أن يوفـر ثمنها، فكل ما إستطاع أن يدخره في حياته وضعه في تلك الشقة آملاً أنها ستكون خير سند له في مواجهة تلك الحياة التي ترفض أن تعطيه وجهاً مبتسماً، يرشف من كوب الشاي رشفة ثم يضعه على سور الشرفة، لكنه يفاجأ بأن الكوب الوحيد الذي يمتلكه قد وقع على الأرض و إنكسر، قبل أن يستعجب أو يستغرب سمع صراخ الجيران من حوله و هم يقولون زلزال، نزل إلى ذلك الزقاق الضيق يركض كما تعود مع الراكضين، لا يعلم إلى أين يذهب أو من أين أتى، الكل يركض و يركض و يركض، هنا تذكر أن ترك باب الشقة مفتوحاً فرجع إليها خوفاً على ما فيها، رجع ركضاً و الجميع من حوله يركضون أيضاً، دخل الشقة، نظر إليها نظرة الوداع كأنه مدرك لما سيحدث لهذا البيت القديم، ترك مجهود عمره و إنصرف و لكن البيت القديم تهدم فوقه وكانه يأبى الفراق، إرتجاج في المخ و رعشة مستمرة في أطرافه هما محصلة ما جناه اليوم.

أكتوبر 1981

شاب في عمر الزهور، على مشارف الثلاثين من عمره، يحلم أحلاماً وردية لحياة يتمنى أن تكون سعيدة، عائد من عمله الذي يبدع فيه مع أنه كان لا يتمناه بأي حال من الأحوال، لكنه القدر، ملابسه المهندمة و حذائه اللامع يوحيان بأنه من عائلة مقتدرة، يحب المشي لأنه رياضة، لا يهم أنه يمر كل يوم على نفس الأماكن و نفس الأشخاص، هو يعتقد أنه بذلك تتكون لديه ألفة مع الاماكن قبل الأشخاص، فذلك عم حسنين البقال و هذا أستاذ صابر الترزي و ذلك صالون الحلاقة الذي دائماً ما يقص شعره فيه، أما هذه فهي السيدة أم فاطمة الجالسة أمام الكشك الخاص بها و الذي تصرف منه على أولادها الخمسة بعد أن هجرها زوجها، يسمع صوت إستغاثة، يلتفت ليجد أنسة واقعة على الرصيف و شخص ما يمسك بحقيبة يدها و يجري مبتعداً عنها، يجري مبتعداً نحوه، حاول إمساكه بكل قوة، لكن ذلك اللص عاجله بضربة كسرت فكه السفلي، حاول عرقلته مجدداً و نجح هذه المرة، لكن العرقلة أوقعت اللص أسفل أتوبيس نقل جماعي مسرع لا يوجد به فرامل، مات اللص و حكم على ذلك الشاب الشجاع بالحبس عام، ليطرد من عمله و تضيع أحلامه.

يونيو 1967

على أعتاب مرحلة تسمى بالمراهقة، منبهر بكل ما تقع عليه عيناه، اليوم يحلم بأنه سيكون طياراً لامعاً، بالأمس حلم أنه مهندس مشهور، غداً سيكون حلماً آخر، إمتد إنبهاره بالأفلام الأمريكية و ما تحتويه على حركات تسمى " أكشن "، فكانت من ضمن أحلامه أنه سيكون بطلاً عالمياً في جميع الرياضات، و إن كان هذا الحلم الوحيد الذي بدأ تنفيذه منذ الصغر، فلقد كان يقلد جميع الحركات التي يراها في الأفلام، في أول الأمر كان يقلدها في غرفته دون أن يراه أحد، ثم بدأ يقلدها أمام أبيه و أمه و هم ينظرون إليه ضاحكين مبتسمين، ثم بدأ يقلدها أما أصحابه و هم ينظرون إليه حاقدين مبهورين، ثم بدأ يطبقها على الجميع، بدأ يفتعل أي مشاجرة فقط لكي يطبق ما تعلمه و ما رأه ظناً منه أن هذه أقصر الطرق إلى البطولات، أو أنه الطريق الوحيد، الشكاوى زادت منه إلى أبيه، كان لابد من عقاب رادع، و الحرق بالملعقة في كل مرة كان في رأي أبيه هو أنسب الحلول بعد منع مشاهدة الأفلام الأمريكية، حرق بالملعقة و الأم تقف ساكتة موافقة و الطفل يصرخ و الدخان يتصاعد.

يوليو 1952

طفل يحبو على يديه و قدميه، يحاول إستكشاف العالم من حوله، و العالم هنا هو عبارة عن الشقة التي يعيش بها مع أبيه و أمه، هي شقة محدودة لكن بالنسبة له هي عالم واسع لا نهاية له، لا يترك درجاً إلا و يفتحه، لا يترك شيئاً إلا و يلمسه، لا يترك باباً إلا و يعبره، حنان و محبة والديه كانتا لا توصف، فهو البكر و سيكون الوحيد لا لشئ و لكن لأنه أمه لن تقدر على الحمل مرة أخرى، كأنه أراد أن يكون وحيداً حتى و هو جنين في رحم أمه، يحبو على الأرض ليصل إلى البوتاجاز، يحاول التمسك به ليقف على قدميه، تلاحظه الأم و تنظره إليه باسمة، قبل أن تكمل الإبتسامة التي كانت إلى حد ما صفراء ينسكب عليه الماء المغلي ليحرق جزء من يده اليمنى و صدره و جزء من فروة رأسه.

مايو 1948

عندما ولد تطلعت إليه، كان طفلاً جميلاً، عيناه متسعتان فيهما بريق و كأنهما مليئتان بالأسئلة و الفضول، حركاته البسيطة توحي بذكاء فطري يريد أن ينمو رغم أنف الجميع، إبتساماته التي كان يوزعها هنا و هناك تنتظر رداً عن كل سؤال يسأله، إذا نظرت إلى أعين و الديه ستجد الفرحة تملأهاو لكنها فرحة ينقصها شئ ما، الكل لاحظ ذلك و لكن لا أحد يعلق و لا أحد يتكلم، الكل بما فيهم أنا كنا نتمنى مستقبلاً مشرقا و نجاحاً باهراً لهذا الطفل، نجاحاً المفترض أنه كان نتيجة حتمية أو طبـيعية لنجاح والده.

بقلم م / مصطفى الطبجي

الأربعاء، 13 أكتوبر 2010

سيب الفار يعيش

كنت في العمل أمارس طقوسي الروتينية اليومية بالمرور على الموقع للتأكد من عدم وجود أي أعطال قد تسبب كارثة من الكوارث التي نسمع عنها في الصحف اليومية، إتصلت بي زوجتي الصابرة التي إبتلاها الله بزوج مجنون مثلي لتسألني " أعملك إيه على الغدا ؟ "، سؤال دائماً لا أعرف له إجابة محددة حيث أن كل معلوماتي عن المطبخ أنه يتكون من أربع حروف، أجبتها إجابتي النمطية المتكررة " إعملي أكل!! "، و حتى لا تصاب بضيق خلق أو إنفجار في الصبر أو تليف في الهدوء قالت لي " طيب خلاص هاعمل مكرونة إبقى إشتري طماطم و إنت راجع " سألتها بهدوء مماثل " عاوزة طماطم أم 12 جنيه الكيلو الجامدة بتاعة السلطة و لا أم 9 جنيه الكيلو المفعصة بتاعة الصلصة؟ "، ردت " لا... أم 12 جنيه ".

وصلت إلى المنزل و تناولنا الغداء و " عشمت " نفسي بكوب من الشاي الساخن ثم الجلوس أما التليفزيون لكن زوجتي فاجأتني بعبارة " في فار في الشقة "، إنتفضت من مكاني ليس خوفاً من الفار ولكن خوفاً على " العفش " الذي مازال جديد و على زوجتي التي مازالت خائفة و على ولدي الذي مازال طفلاً، حاولت عبثاً معرفة من أين أتى هذا المخرب، فكل الأبواب مغلقة، و كل الشبابيك محكمة، و كل الأسلاك سليمة، و كل البلاعات مغطاة، و " كله في التمام ".

أيقنت أن كل محاولاتي سوف تذهب أدراج الرياح، فهؤلاء العفاريت الصغار يمكن أن يدخلوا أي شقة من " خرم إبرة " و لن يجدي البحث عن شئ إلا ضياعاً للوقت، نزلت مسرعاً و إشتريت مصيدة مكعبة الشكل، مستطيلة الأضلاع، نحاسية الخامة، غالية الثمن و علقت بها قطعة خيار و وضعتها في المطبخ، .... و إنتظرنا.

مر يوم ثم الثاني و لا أثر للفأر، فهو لم يقترب من المصيدة نهائياً، و كأن هذا المخلوق الصغير قد إزداد عقله ذكائاً، أو أنه مدرب على أعلى مستوى، رميت قطعة الخيار و علقت بدلاً منها قطعة جبنة رومي، كان يدور في ذهني وقتها مشهد من مشاهد حلقات " توم آند جيري " الشهيرة، قررت تغيير مكان المصيدة عسى أن يكون المطبخ منطقة عسكرية لا يقترب منا الفأر، وضعت المصيدة في الحمام، ... و إنتظرنا من جديد.

" مش حرام الجبنة دي كده، مش أحسن لو كنا جبنا سم فران؟ "، هذا ما قالته زوجتي بعد مرور يومان و عدم ظهور أي أثر للفأرمع العلم أن مخلفاته كانت مبعثرة هنا و هناك، يبدو لي أنه يزداد ذكاء مع مرور الوقت، و يبدو لزوجتي أني أزداد إحباطاً مع مرور الوقت، لذلك و عملاً بنصيحتها إشتريت سم فئران و رششته على باب الحمام و المطبخ، و أرسلت طفلي في إعارة مفتوحة لأم زوجتي حتى نـنـتهي من هذا الكابوس " المزفع " على رأي الأستاذ عوكل.

لم ينتج عن السم إلا مزيداً من إهدار الوقت، المصيدة مفتوحة خاوية على عروشها، السم مرشوش و عليه الأتربة، و هذا المخرب مازال يعبث في الشقة فساداً لا ندري أين يختبئ أو من أين اتى أو هل مازال موجود، أم دعا بعض أقرانه على وجبة عشاء في هذا البيت الكريم الذي يتصف أهله بالطيبة الكافية و التي تجعلهم غير قادرين على طرده من عرينه، و كأنه أسد غضنفر قوي الشكيمة ماكر التفكير، لديه من الدهاء ما يفوق الثعالب و من المكر ما يفوق الثعالب أيضاً.

عدت إلى فكرتي الأولى و هى إستخدام مصيدة الفئران، فأنا مازلت معتقد أنها أفضل وسيلة لإصطياد فأر شارد، فكرت في هذه المرة أن أستخدم رأس سمكة من بواقي السمك المقلي الذي أكلناه البارحة، فالسمك له رائحة نفاذة تجذب القطط و " البني آدمين " فما بالك بالفئران.

إستقبلت فشل رأس السمكة في جذب الفأر كما إستقبلت فشل هيلاري في الفوز بالرئاسة، بمعنى أنه كان أمراً متوقعاً، هنل قررت اللجوء لسلاحي الأخير - أو قبل الأخير -، سوف أستخدم الطماطم، فأنا أعتقد أن هذا الفأر إبن ناس و لن ينجذب لشئ رخيص الثمن، أخبرت زوجتي بهذه الفكرة فقالت " إيه عاوز تحط للفار طماطم من ام 12 جنيه الكيلو ؟؟ ... لا سيب الفار يعيش أحسن ".

بقلم م / مصطفى الطبجي

الخميس، 7 أكتوبر 2010

حتى تكتمل الدائرة

إستيقظ طفلي البالغ من العمر تسعة أشهر مفزوعاً من نومه يصرخ بلا إنقطاع، السبب الرئيسي و الوحيد و المتكرر هو صوت المؤذن الذي يؤذن لصلاة الفجر بصوته الذي يشبه إلى حد كبيـر صوت موتور السيارة الغير صالح للإستخدام أو صوت آلة الفوفوزيلا الشهيرة، تحدثت و تحدث غيري الكثيرون مع المسؤولين عن المسجد في محاولة منا لتغيـيـر هذا المؤذن الغير ملائم سمعياً، حاولنا جاهدين إخبارهم و إقناعهم أن المؤذن يحبذ فيه حلاوة الصوت كما كان مع بلال رضي الله عنه، طبعاً بالإضافة إلى تقواه و ورعه و معرفته بأصول الدين، لكن الرد الغريب و العجيب على قلوبنا و عقولنا أنهم أصروا عليه بحجة أن أباه و جده كانا مؤذنان لنفس المسجد و هو أحق بهذه الوظيفة من غيره، لم أكن أعلم أن التوريث موجود هنا ... أيضاً.


لا أستطيع أن أنسى شكل وجوههم و هي تمتلئ بملامح اللامبالاة و عدم الإكتراث لمشاعر الجيران من حولهم، هذه الملامح التي جعلتني أفكر جدياً في قطع سلك الميكروفون مهما كانت العواقب وخيمة، لكن في الحقيقة ملامح الامبالاة هذه ذكرتني بموقف آخر لأ أدري إن كان موقفاً هزلياً أم موقفاً مأسوياً، ففي يوم من الأيام كانت واقفاً بأحد كمائن المرور الفجائية و التي كثيراً ما أصادفها و كأنني شخص مرزق، الساعة كانت قد تخطت الواحدة صباحاً " ومحدش يسألني كنت بتعمل إيه في وقت متأخر زي ده؟ "، كنت أستطيع أن أرى من مكاني ظابط المرور و هو يرى بنفسه رخص كل سيارة، و أيضاً كنت أراه يسحب بعض هذه الرخص و يطلب من أصحابها " الركن على جنب "، عندما إقتربت من الكمين طلب الظابط من صاحب السيارة الفاخرة التي أمامي أن " تركن على جنب " و قام بسحب الرخص، عندما كان الظلبط يعاين رخصي كنت أنظر إلى الشاب الممتلئ الذي نزل من تلك السيارة الفاخرة و على وجهه إبتسامة لامبالاة أو عدم تقدير للموقف، الأغرب في الموقف أنه عندما نزل من السيارة لم يتوجه إلى الظابط كما جرت العادة، لكنه إتجه إلى صديق له تم سحب الرخص منه و من نفس الظابط، تبادلا التحية و وقفا يتكلمان قليلاً، لاحظهما أمين شرطة فنادى عليهما بصوت عال " خف رجلك يا نـنـوس منك ليه ".


عدم إحساس بالمسؤولية هو أبسط تعبـيـر يمكن أن يطلق على هذان الشابان " الكتكوتان "، هذا التعبـيـر البسيط في عدد كلماته الكبيـر في معناه يمكن أن يطلق أيضاً على ذلك الشخص الذي إنكسر محبس المياة العمومي أمام منزله و رفض أن يصلحه لأنه يخص جاره ..... " ما تيجيوا أحكيلكم الحكاية من أولها "، صلوا على حضرة النبي .... زيدوا النبي صلاة ... على بعد شارعين من منزلنا المتواضع إنكسر محبس مياة عمومي أمام منزل " صاحب السيـبـر اللي أنا واخد منه وصلة "، نتيجة هذا الكسر ثم الإهمال أن منسوب المياه زاد بدرجة كبيرة جعلتها تصل على بعد شارعين " قاطعة عيش " أصحاب المحلات المختلفة، عدم إحساس بالمسؤولية و عدم مراعاة مشاعر الآخرين جعل الجميع بمن فيهم صاحب المشكلة ينتظرون إسبوعين كامليـن حتى يضعوا حلاً للمشكلة بعدما إدعى كل منهم أنه مهم في عمله كالدكتور زويل أو " ماجابتوش ولادة " مثل الدكتور البرادعي " و لا بلاش البرادعي ".


الكارثة السابق ذكرها بما فيها من عدم مراعاة لمشاعر الآخرين تتماثل تماماً مع ما يفعله سائقي التوك توك في شوارعنا النظيفة ..... جداً، ففي أي مكان صحرا كان أو بستان سوف تجد أن سائق التوك توك قد وضع سماعتان كبيـرتان فوق الكرسي أو " الكنبة " الخلفية للتوك توك، سماعتنان قد يفوق حجمها حجم التوك توك نفسه، و وصلهما بتسجيل مستعمل " نص لبة " يعمل على بطارية " نص عمر " ليخرج إلينا صوت " ربع مفهوم "، طبعاً لن أتكلم عن أن هذا السائق " السـمّـيع " قد جعل الصوت على أعلى ما يمكن و كأنه يريد أن يخبر جميع من في المنطقة البالغ مساحتها 2 كيلومتر مربع أنه موجود يعيش و يتعايش، ليس المهم أن هناك شخصاً مريض يجب أن يكون بعيداً عن الإزعاج، أو طفلاً نام بعد أن " ورّا أمه الويل "، المهم " مزاج " سعادة البيه صاحب التوك توك.


أعلم جيداً أن هذا الطفل ربما كان قد سبب مشاكل لأمه حتى ينام ليس لأنه مزعج أو مشاكس أو عنيد، بل لأن درجة حرارته قد تكون مرتفعة و لم يفطن الطبيب المعالج عن سبب إرتفاع درجة الحرارة، فعلى مدار ثلاثة أسابيع كانت تذهب الأم المسكينة إلى الطبيب " اللي كل مرة يزود تمن الكشف "، فيقوم الطبيب بالكشف على الطفل بالسماعة الطبية و يخبر الأم أن طفلها سليم و الصدر سليم و أنه مجرد " دور برد "، بعد أخذ مختلف الأدوية التي وصفها الطبيب ترتفع درجة حرارة الطفل مرة اخرى، تذهب الام للطبيب لتخبره أنها تعتقد أن طفلها يعاني من إلتهابي رئوي، فينظر الطبيب إلى الأشعات التي طلبها منها و يؤكد لها بالفعل أن الطفل يعاني من إلتهاب رئوي حاد، و يبدأ مسرعاً في كتابة الأدوية المطلوبة، تتطلب منه الأم أن يريها على الأشعة مكان الإلتهاب فيشير إلى عظمة الترقوة، تعلم الأم أن هذا الطبيب لا يوجد لديه أي نوع من أنواع الضمير كما أنه يعرف عن الطب ما يعرفه الديك الرومي عن كيفية عمل الملوخية، تصرخ الأم في وجهه و تسأله ما دور هذه السماعة التي يضعها في إذنه ليل نهار إن كان لا يعرف كيف يشخص مرض طفلها فأخبرها " و هو إنت فاكرة السماعة دي بتعمل حاجة " و ألقاها في صفيحة القمامة.


و مدام الحديث قد تطرق إلى صفيحة القمامة، فلا يجب أن ننسى صفائح القمامة الوهمية الموجودة في شوارعنا، حيث أنك عندما تلقي كيس القمامة بها سوف تفاجأ أنه لا يوجد بها قاع و أن كيس القمامة قد بعثر على الأرض لتأكل منه القطط و كأنه رزق حلال لها، لذلك لم يكن عجيباً أن أرى مؤذن المسجد المجاور و هو يحاول جاهداً أن يعلق كيس القمامة في مكان عال لا تصله القطط حتى لا تلوث المكان حول المسجد، ثم دخل إلى المسجد ليؤذن لصلاة الفجر ليستيقظ طفلي من جديد.

بقلم م / مصطفى الطبجي